احمد ياسوف

36

جماليات المفردة القرآنية

كان همّ الأول ردّ المعنى إلى ساحته الأولى ، لكي يتوضح ، ولا يعني هذا أن التفسير بالمأثور يغفل الجانب الجمالي أو لا يفهمه فما من مفسر أثبت إسناد الجناح للرحمة أو للذل حقيقة كما في قوله تعالى : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ « 1 » ، لكن النكت البلاغية والاهتمام بالشؤون الفنية مما يندر في هذا التفسير . ومن هذا النهج الكتب التي ألّفت في غريب القرآن ، وأشهرها في هذا المضمار : « الغريب في مفردات القرآن » في القرن الخامس الهجري لصاحبه الراغب الأصفهاني « 2 » ، وهو يبحث في الأصل المادي للمفردة القرآنية في دراسة مفهرسة وافية تفيد في بيان دقة الانتقاء القرآني نتيجة معرفة أصل الوضع للمفردة . أما ابن قتيبة « 3 » ، فقد عني بالمفردة في كتاب بعنوان « تفسير غريب القرآن » ، وفي كتابه المشهور « تأويل مشكل القرآن » ، بحث في المعاني المختلفة للفظ الواحد ، وقد درس فيه بعناية ما يشبه انتقال المفردة من الحقيقة إلى المجاز ، وفي فصل سماه « باب اللفظ الواحد للمعاني المختلفة » أورد فيه في خمسين صفحة أربعا وأربعين مفردة فيما يمكن تسميته بالمشترك اللفظي ، مثل : الدين والخلق والأمة والقنوت والهدى . وقد تبع ابن قتيبة كثير من الدارسين ، فقدّموا جهدا لغويا حول علاقة اللفظ بالمعنى ، ومن هذا الجهد عدّة فصول في « الاتقان » للسيوطي « 4 » وكذلك في

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 24 . وانظر تفسير الطبري : 17 / 215 وتفسير ابن كثير : 4 / 298 . ( 2 ) هو الحسين بن محمد بن المفضل ، أديب من أهل أصبهان ، سكن ببغداد ، وقرن بالغزالي لشهرته توفي سنة 502 ه ، من كتبه « جامع التفاسير » و « حل متشابهات القرآن » . انظر الأعلام : 1 / 255 . ( 3 ) هو عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري ، من أئمة الأدب ولد ببغداد سنة 213 ه ، ولي القضاء في الدينور فنسب إليها ، من كتبه : « تأويل مشكل الحديث » و « تفسير غريب القرآن » ، « الرد على الشعوبية » ، « الإمامة والسياسة » « أدب الكاتب » توفي ببغداد سنة 276 ه ، الأعلام : 4 / 280 . ( 4 ) هو جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، له نحو 600 مصنف ، نشأ